مصطفى لبيب عبد الغني
85
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
الرابعة ، وما في الرابعة في الثانية » « 1 » . ومن الملفات للنظر أن دقة الرازي في تقدير مختلف الظروف التي يحتمل تأثيرها في الظاهرة بلغت حدا مذهلا . وكان يراعى أثر الزمان أو طول المدة في تأثيرها على الدواء وعلى سير المرض « 2 » . وفي كثير من ملاحظاته وتجاربه ما يذكرنا بما عرف بعد ذلك واستقرّ من أصول البحث التجريبى مثل عوامل الاتفاق والاختلاف والجمع بينهما والتغير النسبي . وهو يروى في كتاب « الحاوي » حالة أحد الأطباء كان قد وضع دواء لعلاج وجأة في العصب ساعة وقعت ، « وكان قد جرّبه مرات فأنجح في جراحات العصب ، فأرانى العضو في اليوم الثالث وقد ورم ، وسألت أنا المريض : هل وجدت في أول يوم وضع الدواء عليه في ذلك شبه حرارة الشمس فاترة ، فذكر أنه لم يجد شيئا من ذلك ، فسألت الطبيب فذكر عمل الدواء وذكر أنه عمله منذ سنة ، وسألته عمن عالجهم به ، فقال غلامان وفتى ، فسألته عن حال أبدانهم ، فقال كانت بضة رخصة ، فعلمت أن « الفربيون » orbium ( وهو الدواء المستعمل ) كان ناقصا عن مقدار ما تحتاج إليه جراح هذا العليل . فأمرته أن يجئ بشئ من هذا الدواء وشئ من الفربيون مقدار ما ظننت أنه يكفى فسحقته غاية السحق وخلطته به ، ثم أخذت من الزيت اللطيف فسخنته تسخينا معتدلا فعرّقت به العنصر العليل ووسعت فم الجرح قليلا لأنه كان ضيّقا ووضعت الدواء عليه وأمرت العليل بالإمساك عن الطعام وأمرت الطبيب أن يحله بالعشى ويعيد العلاج ، فأصبح العليل وقد سكن وجعه وتبدّد » « 3 » .
--> ( 1 ) ابن أبي أصيبعة : « عيون الأنباء « ص 421 » . ( 2 ) يقول الرازي : « ويجب أن نقدّر الوقت الذي تستعمل فيه هذه ومدة الزمان تقديرا صناعيا حتى إذا دام الوجع وطال نديم استعمالها أيضا . فإن بقي هذا الوجع زمانا طويلا لم يصح استعمال ( هذه ) الأدوية » . « مقالة في الحصى في الكلى » ص 66 . ويقول في « المرشد » : « إذا سقيت دواء مسهّلا ، أو مبّدلا للمزاج ، فافسح له في الوقت ، ولا تتبعه بما يغمره مما يسقط قوته » ( ص 123 ) . ( 3 ) الرازي : « الحاوي » ج 13 ، ص 11 . ويعلّق محمد كامل حسين ومحمد عبد الحليم العقبى على ما يثبته الرازي هنا بما يلي : « تدل هذه الحالة على العلاقة بين الأستاذ وتلاميذه من الأطباء الممارسين . ولا شك أن علاج الطبيب لهذا العليل كان صحيحا في جملته ولكن كانت تنقصه الدقة في التفاصيل التي يتحقق بها نجاح -